المنجي بوسنينة
143
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
[ ص 15 ] ، وروى من أحواله وأقواله ما يثبت ذلك ، وروى من حياة الصحابة وأقوالهم التي كانت في مجملها تأسّيا بحياة النبيّ وأحواله وأقواله ما يؤكّد ذلك . ثمّ كشف عن المصدر الأساسي لهذا : إنّه القرآن الكريم . وأوضح أنّ الصوفيّة المسلمين أنفسهم ، سواء منهم أصحاب الأذواق والمذاهب ، أو كتّاب الطبقات ، هم أوّل من أكّد أنّ المصدر الحقيقيّ لكلّ ما تواضعوا عليه من قواعد الرياضة والمجاهدة ولكلّ ما انكشف أمام بصائرهم من أنوار الحقيقة في المشاهدة إنّما هو أثر من آثار ما أثر عن النبيّ من زهد ونسك وتعبّد ، ومن بعض آيات القرآن الكريم ومن عبارات بعض الأحاديث القدسيّة الشهيرة [ ص 26 - 31 ] . ولم يكتف مفكّرنا بهذا البيان الإيجابيّ لرأيه في أصالة التصوّف والحياة الروحيّة الإسلاميّة ، وإنّما ناقش ادّعاءات أصحاب النظريّات المعارضة ممّن يقولون بالمصدر الهندي أو الفارسي أو النصراني أو اليوناني ، وبيّن أوجه قصورها ورفضها وكشف عن رأيه النّهائي في هذا الموضوع بعبارة تفيض قوّة وأصالة ، حيث قال : « إنّه يمكن أن يقال إنّ التصوّف من حيث هو رياضة للنفس الإنسانيّة التي هي حظّ مشترك بين أفراد الإنسان جميعا ، يصحّ أن ينتهي عند المعتنقين لدين من الأديان إلى عين النتائج التي ينتهي إليها عند المعتنقين لدين آخر من هذه الأديان ، وذلك لأنّ وسائل التصفية وطرق التهذيب التي يصطنعها أولئك وهؤلاء واحدة هي الأخرى ؛ فإذا كان ذلك كذلك وكانت النفس الإنسانيّة هي النفس الإنسانيّة في كلّ زمان وكلّ مكان فما الذي يمنع إذا من أن يكون التصوّف الذي ظهر في الإسلام هو بعينه الذي أخذ صورا متعدّدة في الديانات الهنديّة والفارسيّة والنصرانيّة وفي الفلسفة اليونانيّة ؟ وما الذي يمنع أيضا من أن يكون التصوّف الإسلامي قد نشأ بعيدا عن كلّ المؤثّرات الدينيّة والفلسفيّة الأجنبيّة . وأن يكون هذا التشابه الملحوظ بينه وبين دين البراهمية والمانوية والنصرانية والأفلاطونية الجديدة آتيا من أنّ زهّاد المسلمين وصوفيّتهم قد أخضعوا أنفسهم لطائفة من القواعد والأحكام التي تقرب كثيرا أو قليلا من تلك التي أخضع لها نسّاك البراهمية وزهّاد المانوية ورهبان النصرانية وفلاسفة الأفلاطونية الجديدة أنفسهم ؟ [ ص 64 ] . وعلى هذا النحو من إشراق البيان ودقّة العبارة وقوّة الحجّة كانت آراء محمد مصطفى حلمي في تاريخ الفلسفة عامّة ، وفي الفلسفة الإسلاميّة والتصوّف الإسلامي على وجه الخصوص في مختلف مؤلّفاته وبحوثه ومقالاته التّي سدّت على حدّ تعبير صديقه علي سامي النشار - فجوة كبيرة في تاريخ الفلسفة الإسلاميّة موضّحة الجانب الأصيل فيها . [ نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ، 1 / 24 ] . آثاره تنوّع إنتاج محمد مصطفى حلمي العلمي رغم تلك الظروف التي حلّت به ، وتوزّع بين التأليف والترجمة والتحقيق ، ومراجعة ترجمات الآخرين ، وكتابة مقدّمات لمؤلّفاتهم . أمّا أبرز ما تركه من مؤلّفات فكان :